ابن الجوزي
208
صيد الخاطر
فأما إذا قلت الآلات عنده من الكتب ، أو كان في أول عمره ضعيف الطلب فلم ينل ما يريده في هذا الأوان ، أخر التصنيف إلى تمام خمسين سنة . ثم ابتدأ بعد الخمسين في التصنيف والتعليم إلى رأس الستين ، ثم يزيد فيما بعد الستين في التعليم ويسمع الحديث والعلم ويعلل التصانيف « 1 » إلى رأس السبعين ، فإذا جاوز السبعين جعل الغالب عليه ذكر الآخرة والتهيؤ للرحيل . فيوفر نفسه على نفسه إلا من تعليم يحتسبه ، أو تصنيف يفتقر اليه ، فذلك أشرف العدد للآخرة . ولتكن همته في تنظيف نفسه وتهذيب خلاله ، والمبالغة في استدراك زلاته ، فان اختطف في خلال ما ذكرنا فنية المؤمن خير من عمله ، وان بلغ إلى هذه المنازل فقد بينا ما يصلح لكل منزل . وقد قال سفيان الثوري : من بلغ سن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فليتخذ لنفسه كفنا . وقد بلغ جماعة من العلماء سبعا وسبعين سنة ، منهم أحمد بن حنبل ، فان بلغها فليعلم أنه على شفير القبر ، وأن كل يوم يأتي بعدها مستطرف . فان تمت له الثمانون فليجعل همته كلها مصروفة إلى تنظيف خلاله ، وتهيئة زاده ، وليجعل الاستغفار حليفه ، والذكر أليفه ، وليدقق في محاسبة النفس في بذل العلم ، أو مخالطة الخلق ، فان قرب الاستعراض للجيش يوجب عليهم الحذر من العارض . وليبالغ في إبقاء أثره قبل رحيله ، مثل بث علمه ، وإنفاق كتبه وشيء من ماله . وبعد فمن تولاه اللّه عز وجل علّمه ، ومن أراد ألهمه . نسأل اللّه عز وجل أن ينعم علينا بأن يتولانا ولا يتولى عنا إنه قريب مجيب . 165 - العادات والشرع رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع ، فهم يستوحشون من فعل الشيء لعدم جريان العادة لا لنهي الشرع ! فكم من رجل يوصف بالخير يبيع ويشتري ، فإذا حصلت له القراضة باعها
--> ( 1 ) أي يرجع عليها بالتصحيح والتنقيح وبيان الأدلة والعلل ، ومنه سمى مجد الدين الموصلي كتابه الذي بين فيه أدلة أحكام المختار وشرحه فيه « الاختيار لتعليل المختار » .